عنوان الموضوع : أحكـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــام السحــــــــــــــــــر -اسلاميات
مقدم من طرف منتديات نساء الجزائر

أحكـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــام السحــــــــــــــــــر



(( أحكام السحر والسحرة ))
(( تعريف السحر ))
السحر لغةً / ما خفي ولطف سببه ومنه سمي السحر لآخر الليل لأن الأفعال فيه تكون خفية ، وَسَحَرَهُ أَيْ خَدَعَهُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى{ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ } ( سورة الشعراء 153) أَيِ الْمَخْدُوعِينَ 0 وقد يسمي العرب السحر طباً تفاؤلاً بالسلامة ، وَوَرَدَ فِي الْقُرْآنِ بلَفْظِ الْجِبْتِ ، فَسَّرَهُ عُمَرُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَالشَّعْبِيُّ بِالسِّحْرِ ، وَقِيل : الْجِبْتُ أَعَمُّ مِنَ السِّحْرِ ، فَيَصْدُقُ أَيْضًا عَلَى الْكِهَانَةِ وَالْعِرَافَةِ وَالتَّنْجِيمِ ( انظر موسوعة الفقه الكويتية كلمة سحر )
شرعاً / / عقدٌ ورقى شركية مع كتابة طلاسم ورموز يدَّعي الساحر أنها من علم الكواكب والنجوم وخواص المواد وغير ذلك وحقيقتها إستعاناتٌ بالشياطين وشركٌ برب العالمين وينتج من مجموع ذلك طاعة الشياطين له وإيقاع الضرر بالبشر في أبدانهم وعقولهم بإذن الله الكوني القدري 0

(( أنواع السحر ))الأول / السحر الذي يزعم أهله أنهم يستعينون فيه بالكواكب كسحر الكلدانيين وأهل بابل وغيرهم ، وهؤلاء كانوا قوماً صابئين يعبدون الكواكب السبعة ، ويعتقدون أنها المدبرة للعالم ، وأن حوادث العالم كلها من أفعالها ، وقد قادهم هذا الاعتقاد الباطل إلى اعتقاد أن لها إدراكاتٌ روحانية فإذا قوبلت ببخورٍ خاصٍ ولباسٍ خاصٍ على الذي يباشر البخور مع إقدامه على أفعالٍ خاصةٍ وألفاظٍ يخاطب بها الكواكب كانت روحانية الفلك مطيعةً له ، فمتى ما أراد شيئاً فعلته له على حد زعمهم .
وهذا الذي يزعمون أنه روحانية الفلك إنما هي الشياطين تطيعهم وتخدمهم ليستمروا على شركهم وعبادتهم للكواكب فانظر إلى الغباء المستفحل والضلال المبين 0
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: ومعلوم أن هذا النوع من السحر كفرٌ بلا خلاف لأنهم كانوا يتقربون فيه للكواكب كما يتقرب المسلمون إلى الله ، ويرجون الخير من قبل الكواكب ، ويخافون الشر من قبلها كما يرجو المسلمون ربهم ويخافونه ، فهم كفرةٌ يتقربون إلى الكواكب في سحرهم بالكفر البواح 0 ( أضواء البيان عند تفسيره لآية (69) سورة طـه )
وللسحرة والكهنة والعرافين والمنجمين طرقاً للاستعانة بهذه الكواكب بزعمهم منها :
1- الطلاسم: وهي عبارة عن نقش أسماءٍ خاصةٍ لها تعلق بالأفلاك والكواكب - بزعمهم - في جسم من المعادن أو غيرها فتحدث خاصية معينة.
2- النظر في حركات الأفلاك ودورانها وطلوعها وغروبها واقترانها وافتراقها معتقدين أن لكل نجمٍ منها تأثيراً حال انفراده ،كما أن له تأثيراً حال اجتماعه بغيره على الحوادث الأرضية من غلاء الأسعار ورخصها ووقوع الحوادث وهبوب الرياح ونحو ذلك .
3- النظر في منازل القمر الثمانية والعشرين ، معتقدين التأثير في اقتران القمر بكل منزلٍ منها ومفارقته ، وأن في تلك المقارنة أو المفارقة سعوداً أو نحوساً أو تأليفا أو تفريقاً وغير ذلك .
4- ما يسمونه بعلم الحرف وهو أن يكتب حروف أبجد هوز... إلخ . ويجعل لكل حرفٍ منها قدراً معلوماً من العدد ، ويجري على ذلك أسماء الآدميين والأزمنة والأمكنة وغيرها ، ويجمع جمعاً معروفاً عنده ويطرح طرحاً خاصاً ويثبت إثباتاً خاصاً ، وينسبه إلى الأبراج الإثني عشر المعروفة عند أهل الحساب ، ثم يحكم على تلك القواعد بالسعود والنحوس وغيرها مما يوحيه إليه الشيطان .
ولا شك أن هذا كله ضلال وكفر وزندقة إذ فيه ادعاء علم الغيب وقد قال تعالى {قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} (65) سورة النمل وقال تعالى {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } (59) سورة الأنعام وقال تعالى{عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا} (26) سورة الجن وقال صلى الله عليه وسلم ( من اقتبس علماً من النجوم اقتبس شعبةً من السحر زاد ما زاد ) رواه أحمد وأبوداود وبن ماجة وصححه الألباني في صحيح الجامع حديث رقم ( 6074 )

النوع الثاني / الاستعانة بالجن والشياطين عن طريق التقرب إليهم بالشرك والكفر كدعائهم والذبح والسجود لهم أو بتدنيس المصحف وإلقاءه في القاذورات أو بسب الله ورسوله أو بغير ذلك من أنواع الشرك والكفر فحينها تطيعه الشياطين وتخدمه وتنفذ له ما يريد 0
وهذا لا شك أيضاً أنه كفرٌ صراح بلا خلاف 0

النوع الثالث / العقد والنفث فيه قال تعالى{ ومن شر النفاثات في العقد }(الفلق: 4 ) والنفاثات في العقد : هن السواحر اللاتي يعقدن الحبال والخيوط وينفثن في كل عقدة حتى ينعقد ما يردن من السحر، ويستعن ببعض ما ينفصل من جسم المسحور من شعرٍ أو أظافرٍ أو غيرها أو ببعض ملابسه الداخلية الملامسة لجسده 0 وهذا بعد أن تتكيف نفوسهن بالخبث والشر الذي يردنه بالمسحور فيقع السحر بإذن الله . وربما استعن بالأرواح الخبيثة من شياطين الإنس والجان ، ومن هذا النوع سحر لبيد بن الأعصم اليهودي للرسول صلى الله عليه وسلم .

وهذا النوع يكون كفراً إذا كان فيه دعاءٌ واستغاثةٌ بالشياطين أو كان يشتمل على أمرٍ كفري كسب الله ورسوله وامتهان القران والحديث ونحو ذلك وغالب من يعقد العقد وينفث فيها يستعين بهذه الأمور على إيقاع السحر ومن مرَّ على هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر رأى عندها العجب العجاب مما يصنعه هؤلاء السحرة من أنواع الكفريات والشرك في عقدهم التي يعقدونها وسحرهم الذي يصنعونه فوجِدَ منهم من كتب آياتٍ بدم الحيض والنفاس أو بالغائط ووجد من كتب أسماء رجالٍ يستغيث بها إنما هي أسماء الشياطين ووجِدَ غير ذلك ، ولذلك قول من يقول إنه لا يكون سحرٌ إلا بكفر قولٌ قوي 0 وقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال صلى الله عليه وسلم ( من عقد عقدةً ثم نفث فيها فقد سحر ومن سحر فقد أشرك ومن تعلق شيئاً وكل إليه ) رواه النسائي وضعفه الألباني انظر حديث رقم ( 5702 ) في ضعيف الجامع.‌

النوع الرابع / الشعوذة أو الشعبذة ، ومبناها على خفة اليد والحيل الهندسية ومعرفة خواص المواد ونحو ذلك وليس فيها عقدٌ ولا نفث ولا استعانةٌ بالشياطين ولا غير ذلك مما تقدم إنما تعتمد على الذكاء وخفة الحركة في صرف بصر الناظر من شيءٍ إلى آخر فينبهر الناظر ولو دقق النظر لعلم أنه أمرٌ سهل يستطيعه كل أحد ، فهذه تسميتها سحراً مجازاً .

(( حكم السحر والساحر ))السحر محرمٌ باتفاق الأئمة بل هو محرمٌ في جميع الأديان السماوية كما في قوله تعالى﴿ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ ﴾ [ البقرة : 102] أي علم أهل الكتاب في كتبهم وعلى ألسنة رسلهم أن من اتخذ السحر بضاعةً يتعلمها ويعلمها ويعمل بها لا خلاق له في الآخرة أي لا نصيب له في الجنة 0
وأدلة تحريم السحر كثيرة منها قوله تعالى { وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى } ( سورة طه / 69 ) فنفى الفلاح عنهم وقال تَعَالَى{ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ } ( سورة البقرة / 102) فَجَعَلَهُ مِنْ تَعْلِيمِ الشَّيَاطِينِ الذين يريدون إغواء بني آدم وَقَال فِي آخِرِ الآْيَةِ { وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ } فَأَثْبَتَ فِيهِ ضَرَرًا بِلاَ نَفْعٍ وكل ما فيه ضررٌ بلا نفع فهو محرم لقول النبي صلى الله عليه وسلم ( لا ضرر ولا ضرار ) وقال تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ { إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى } ( سورة هود / 73 ) فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ رَغِبُوا إِلَى اللَّهِ فِي أَنْ يَغْفِرَ لَهُمُ السِّحْرَ فدلَّ ذلك عَلَى أَنَّهُ ذَنْبٌ يوجب التوبة منه وقال النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَات ) وذكر منها السحر 0 متفق عليه

قال في موسوعة الفقه الكويتية / وَفَرَّقَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بَيْنَ مَا كَانَ مِنَ السِّحْرِ تَمْوِيهًا وَحِيلَةً ، وَبَيْنَ غيره، فَقَالُوا : إِنَّ الأَْوَّل مُبَاحٌ لأَِنَّهُ نَوْعٌ مِنَ اللَّهْوِ فَيُبَاحُ مَا لَمْ يُتَوَصَّل بِهِ إِلَى مُحَرَّمٍ كَالإِْضْرَارِ بِالنَّاسِ . قَال الْبَيْضَاوِيُّ : أَمَّا مَا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ كَمَا يَفْعَلُهُ أَصْحَابُ الْحِيَل بِمَعُونَةِ الآْلاَتِ وَالأَْدْوِيَةِ ، أَوْ يُرِيهِ صَاحِبُ خِفَّةِ الْيَدِ فَغَيْرُ مَذْمُومٍ ، وَتَسْمِيَتُهُ سِحْرًا عَلَى التَّجَوُّزِ أو لما فيه من الدقة ا0هـ0( كلمة سحر في الموسوعة )
قلت : هذا غير صحيحٍ على القول أن سحر سحرة فرعون الذي استعملوه ضد موسى عليه السلام كان من هذا النوع وأنه كانت عصيهم مجوفةً مملوءةً زئبقاً وحبالهم معمولةً من أدمٍ قد حشيت زئبقاً فلمَّا ارتفعت الشمس ذاب الزئبق من حرارتها فتحرك فتحركت الحبال والعصي ، فلاشك أن هذا من التمويه والحيلة ومع هذا فقد ذموا على ذلك وطلبوا التوبة وغفران الذنب وقال تعالى {فَلَمَّا أَلْقَواْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} (81) سورة يونس فجعل عملهم من الإفساد في الأرض وهو محرم 0 ولكن الذي يظهر لي وذكرته فيما تقدم أن سحرهم لم يكن من هذا النوع وإنما هو من السحر الحقيقي لأن التمويه والخدع لا تنطلي على جميع الناس المشاهدين بل يتفطن لها الأذكياء منهم ولا شك أن موسى عليه السلام أذكى الناس في زمانه ولو انخدع لبين له الوحي حقيقة أمرهم وأن ما صنعوه إنما هو مجرد خدع لمعرفتهم بخواص المواد ولكان في ذلك حجة لموسى عليهم فيخبر الناس بحقيقة سحرهم فينهزمون بذلك فلما لم يفعل موسى ذلك تبين أن سحرهم ليس كذلك بل هو سحرٌ حقيقي ، وعليه فيكون ما ذكره بعض الفقهاء من جواز ما اعتمد على خفة اليد والخداع صحيحاً لأنه ليس سحراً وإنما هو لعبٌ وتسلية ، ولكنه يحرم إن اشتمل على محرم أو أدى إليه كأن يكون طريقاً إلى تعلم السحر الحقيقي أو يكون فيه اختلاس أموال الناس وحقوقهم أو فيه ادعاء علم الغيب أو غير ذلك من المحرمات فيحرم لذلك 0

لكن اختلف أهل العلم هل يكفر الساحر أو لا يكفر ؟
فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد : يكفر بتعلمه وتعليمه سواءً اعتقد حله أو تحريمه وروي هذا القول عن عمر وعثمان وعلي وبن عمر وجندب وحبيب بن كعب وقيس بن سعد وعمر بن عبد العزيز واستدلوا بقوله تعالى{وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} (102) سورة البقرة فقوله تعالى (( وما كفر سليمان )) أي ما كان ساحراً كفر بسحره وقول الملكان ( إنما نحن فتنةٌ فلا تكفر )) أي لا تتعلم السحر فتكفر به 0 قاله في المغني 0 واستدلوا بقوله تعالى {قَالَ مُوسَى أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ} (77) سورة يونس وقوله {وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} (69) سورة طـه فنفيُ الفلاح عنهم يدل على كفرهم 0
وقال الشافعي : لا يكفر إلا إذا اعتقد إباحته لأن عائشة رضي الله عنها لم تقتل الجارية التي سحرتها بل باعتها بمحضرٍ من الصحابة ولو كانت كافرةً بمجرد فعل السحر وتعلمه لكانت مرتدةً يجب قتلها ولا يجوز استرقاقها 0 وأجيب بأنه يحتمل أن معنى سحرتها أي ذهبت إلى ساحرٍ سحر لها ، أو أن هذه الجارية تابت فسقط عنها الكفر والقتل بتوبتها وعلى احتمال أنها هي التي سحرت بنفسها وأنها لم تتب فهو قولٌ لعائشة رضي الله عنها قد خالفها فيه غيرها من الصحابة والتابعين ( انظر في الفقه الحنفي فتح القدير كتاب السير باب أحكام المرتدين ورد المحتار كتاب الجهاد مطلب توبة اليائس وفي الفقه المالكي مواهب الجليل شرح مختصر خليل باب الردة وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير وفي الفقه الشافعي مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج كتاب دعوى الدم فصلٌ فيما يثبت موجب القصاص وفي الفقه الحنبلي المغني والانصاف كتاب الديات باب حكم المرتد وكشاف القناع باب حكم المرتد)
وروي عن الشافعي أنه قال : إذا تعلم السحر قلنا له صف لنا سحرك فإن وصف ما يوجب الكفر مثل ما اعتقده أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة وأنها تفعل ما يلتمس منها فهو كافر وإن كان لا يوجب الكفر لاكن اعتقد إباحته كفر ، وإلا لم يكفر (انظر فتح المجيد ص314، وأضواء البيان3/36) وإلى هذا القول جنح بعض الأحناف والمالكية والحنابلة قال بن عابدين : قال في الفتح : ويجب أن لا يعدل عن مذهب الشافعي في كفر الساحر والعراف وعدمه وأما قتله فيجب ولا يستتاب إذا عرفت مزاولته لعمل السحر لسعيه بالفساد في الأرض لا بمجرد علمه إذا لم يكن في اعتقاده ما يوجب كفره ( رد المحتار على الدر المختار كتاب الجهاد مطلب في الساحر والزنديق ) وقال القرافي : فالذي يستقيم في هذه المسألة ما حكاه الطرطوشي عن قدماء أصحابنا أنا لا نكفره حتى يثبت أنه من السحر الذي كفَّرَ الله تعالى به أو يكون سحره مشتملاً على كفر كما قاله ( ش ) ( الذخيرة 12/37) وقال المرداوي : قوله ( فأما الذي يسحر بالأدوية والتدخين وسقي شيءٍ يضر فلا يكفر ولا يقتل ولكن يعزر ) هذا المذهب ( الإنصاف كتاب الديات باب حكم المرتد )
قال العثيمين : السحر نوعان :
الأول / شرك وهو الذي يكون فيه عقدٌ ورقى ويستخدم الساحر فيها الشياطين يعبدهم ويتقرب إليهم ليسلطهم على المسحور 0
والثاني / أدوية وعقاقير تؤثر في بدن المسحور فهذه عدوانٌ وفسق ( القول المفيد1/489بتصرف )
وقال الشنقيطي : التحقيق في هذه المسألة هو التفصيل فإن كان السحر مما يعظَّمُ فيه غير الله كالكواكب والجن وغير ذلك مما يؤدي إلى الكفر فهو كفرٌ بلا نزاع ومن هذا النوع سحر هاروت وماروت .... وإن كان السحر لا يقتضي الكفر كالاستعانة بخواص بعض الأشياء من دهاناتٍ وغيرها فهو حرامٌ حرمةً شديدة ولكنه لا يبلغ بصاحبه الكفر ا0هـ0 ( أضواء البيان 3/36)
قلت : وقد قيل إن معنى قول الملكين (( فلا تكفر )) أي لا تستعمله على وجهٍ تكفر به أي لا تستعمله في الأمور المكفرة كما يقال خذ المال ولا تفسق به أي لا تستعمله على وجهٍ تفسق به أي لا تستعمله في الفسق 0 ( انظر الذخيرة 12/33)
تنبيه / قال بعض أهل العلم : السحر هو ما يكون فيه استعانةٌ بالجن والشياطين فهذا كله كفرٌ ويقتل فاعله ردةً وما عدى ذلك من الأدوية والعقاقير فلا يسمى فاعلها ساحر إذا لم يستعن بالجن والشياطين وحينئذٍ لا يكفر ولا يقتل 0
قلت : والسحرة يتلاعبون بالناس بتقديم هذه الأدوية والعقاقير وإلا فهم يتعاملون مع الجن والشياطين باطناً ، فيجب الحذر منهم وعدم تصديقهم 0
والذي يتمعن في نصوص الكتاب والسنة في تكفير الساحر مطلقاً وكذلك إجماع الصحابة على كفره ووجوب قتله بلا استتابة يدرك أن هذا القول الذي قال به بعض أهل العلم هو الصواب وهو لا يخالف ما تقدم إلا في مسمى السحر وبيان منهم السحرة 0

(( حكم قتل الساحر ))القول الأول / يقتل بمجرد فعل السحر وتعلمه وهو قول مالك وأحمد وقتله بحد الردة وعليه فلا يقتل الذمي فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل لبيد بن الأعصم اليهودي الذي سحره لكون كفره أصلياً ، إلا أن يقتل بسحره فيقتل قصاصاً إذا كان سحره مما يقتل غالباً وإلا فالدية0 (انظر الذخيرة للقرافي 33/12) ومواهب الجليل شرح مختصر خليل باب الردة والإنصاف كتاب الديات باب حكم المرتد وكشاف القناع باب حكم المرتد )
القول الثاني / يقتل بمجرد اعترافه بالسحر أو ثبوت ذلك عليه بالبينة فيقتل حد الإفساد في الأرض وعليه فيقتل ولو كان كافراً أصلياً وهو قول أبي حنيفة ( انظر رد المحتار على الدر المختار كتاب الجهاد مطلب توبة اليائس )
القول الثالث / لا يقتل إلا إذا اعتقد إباحته أو فعل في سحره ما يوجب الكفر فيقتل ردةً أو قتل بسحره عمداً وكان سحره مما يقتل غالباً فيقتل قصاصاً وإلا فالدية وهو قول الشافعي 0 (انظر مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج كتاب دعوى الدم فصل فيما يثبت موجب القصاص )
قلت / وبهذا نعلم أن الأئمة الأربعة مجمعون على أن الساحر يكفر ويقتل إذا استباح السحر أو فعل في سحره ما يوجب الكفر من دعاء غير الله والتقرب إلى الشياطين وادعاء تأثير الكواكب في الحوادث الأرضية والأقدار ونحو ذلك ، ومختلفون في مجرد التعلم والفعل 0

ومن وجب قتله من السحرة قتل بلا استتابة في قول أبي حنيفة ومالك وأحمد في المشهور عنه لأن علم السحر لا يزول بالتوبة فلا يؤمن الرجوع ولو باطناً 0 وقال الشافعي ورواية عن أحمد : يستتاب وتقبل توبته لأن ذنبه لا يزيد عن الشرك والمشرك يستتاب وتقبل توبته ولذلك صحَّ إيمان سحرة فرعون وتوبتهم ( انظر رد المحتار كتاب الجهاد مطلب توبة اليائس وفتح القدير كتاب السير باب أحكام المرتدين ومواهب الجليل في شرح مختصر خليل باب الردة والذخيرة للقرافي 33/12 وأضواء البيان تفسير سورة طه وفتح المجيد ص320 )

واستدل القائلون بأنه يقتل ولا يستتاب بما يلي :
1-ماروي عن جندب مرفوعاً ( حد الساحر ضربة بالسيف ) رواه الترمذي وقال : الصحيح أنه موقوف والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم ( ضعفه الألباني فيه حديث رقم ( 1460) وقال الشنقيطي : قال بن كثير قد رواه الطبراني من وجهٍ آخر عن الحسن عن جندب مرفوعاً وهذا يقويه كما ترى ( أضواء البيان 3/39) وجندب هذا ليس هو جندب بن عبد الله البجلي بل هو جندب الخير المعروف بقاتل الساحر واسم أبيه كعب وقيل زهير الأزدي الغامدي وقصة قتله للساحر رواها البخاري في التاريخ الكبير عن أبي عثمان النهدي أن رجلاً كان عند الوليد يلعب فذبح إنساناً وأبان رأسه فعجبنا فأعاد رأسه فجاء جندب الأزدي فقتله وقال : فليعد رأسه إن كان صادقاً ) ورواه البيهقي في الدلائل ومالك في الموطأ كتاب العقول باب ما جاء في الغيلة والسحر وجندب صحابيٌ جليل لم يكن ليقتل الساحر لولا وجود خبرٍ عنده يدل على وجوب قتله مباشرة دون سؤالٍ هل قتل به أو لم يقتل به ولم يستتيبه وإنما ذكر أن ذلك حده والخبر وإن صحح الترمذي وقفه إلا أن له حكم الرفع إذ الحدود لا تثبت إلا بنص

2-ماروي عن بجالة بن عبدة قال : كتب عمر بن الخطاب : أن اقتلوا كل ساحرٍ وساحرة ، قال : فقتلنا ثلاث سواحر . رواه البخاري وسقط قتل الساحر في بعض نسخه ورواه أبو داود وصححه الألباني فيه حديث رقم ( 3043 ) والشاهد أمر عمر بقتل السحرة مطلقاً بلا تقييد يدلُّ على أن ذلك حدهم ولو كان هناك تقييدٌ بقصاصٍ أو استتابةٍ لذكره إذ الدماء أمرها عظيم وعمر من أورع الناس رضي الله عنه وأرضاه 0
3- ما روي عن حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها : أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها ، فقتلت 0 رواه مالك في الموطأ وهي لم تقتل ولم يرد أنها استتابتها ولم تكن حفصة لتفعل ذلك لولا ورود خبر عندها بذلك إذ الدماء أمرها عظيم 0
4-إجماع الصحابة قال أحمد : صح قتل الساحر عن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم . قلت : يريد عمر وابنته حفصة وجندب الخير ولم ينكر عليهم أحد مع توافر الدواعي فدلَّ على الإجماع السكوتي من الصحابة رضي الله عنهم على هذا الحكم 0
5-وأما قولهم : إن ذنبه لا يزيد عن الشرك والمشرك يستتاب وتقبل توبته ولذلك صحَّ إيمان سحرة فرعون وتوبتهم 0
فنقول / أما قولكم إن ذنبه لا يزيد عن الشرك والمشرك تقبل توبته فنقول : المشرك كافرٌ أصلي وهذا مرتد وحكمه حكم الزنديق الذي لا تقبل توبته ولو صدَّقنا كل مدَّعي توبة لانتشر الزنادقة وكلما قبض عليهم ادعوا التوبة فظهر الفساد والشر إذ أن علم السحر لا يزول بالتوبة فلا ندري هل صدق في توبته أم لا ؟ وأما حكمه عند الله فإن صدق في توبته قبلها الله منه ما لم تطلع الشمس من مغربها أو تبلغ روحه الحلقوم ولذلك قبل توبة سحرة فرعون ؟ أما نحن فلا نقبل توبته لأنا لا نعلم الغيب ولا ندري هل صدق أم هو كاذب فدفعاً لفسادٍ عظيمٍ عن المسلمين نقتله ولا نقبل توبته 0
ثم إن هذا حدٌّ والحدُّ لا يسقط بالتوبة فلو زنا محصنٌ فقبض عليه فقال تبت فإنه يرجم ولا تقبل توبته وكذا لو سرق قطع ولا يستتاب أو قذف أو شرب الخمر جلد ولا يستتاب فالحدود ليس فيها استتابة فكذلك حد الساحر القتل ولا يستتاب 0 وقد رجح هذا الشيخ محمد العثيمين رحمه الله ( القول المفيد 1/509 )


>>>>> ردود الأعضـــــــــــــــــــاء على الموضوع <<<<<
==================================




__________________________________________________ __________


__________________________________________________ __________


__________________________________________________ __________


__________________________________________________ __________